سيد محمد طنطاوي
354
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقال قتادة والضحاك : نزلت توبيخا لقوم كانوا يقولون : قتلنا ، ضربنا ، طعنّا ، وفعلنا ، ولم يكونوا فعلوا ذلك « 1 » . والاستفهام في قوله - تعالى - : * ( لِمَ تَقُولُونَ ) * للإنكار والتوبيخ على أن يقول الإنسان قولا لا يؤيده فعله ، لأن هذا القول إما أن يكون كذبا ، وإما أن يكون خلفا للوعد ، وكلاهما يبغضه اللَّه - تعالى - . و * ( لِمَ ) * مركبة من اللام الجارة ، وما الاستفهامية ، وحذفت ألف ما الاستفهامية مع حرف الجر ، تخفيفا لكثرة استعمالها معا ، كما في قولهم : بم ، وفيم ، وعمّ . أي : يا من آمنتم باللَّه واليوم الآخر . . لما ذا تقولون قولا ، تخالفه أفعالكم ، بأن تزعموا بأنكم لو كلفتم بكذا لفعلتموه ، فلما كلفتم به قصرتم فيه ، أو أن تقولوا بأنكم فعلتم كذا وكذا ، مع أنكم لم تفعلوا ذلك . وناداهم بصفة الإيمان الحق ، لتحريك حرارة الإيمان في قلوبهم ، وللتعريض بهم ، إذ من شأن الإيمان الحق أن يحمل المؤمن على أن يكون قوله مطابقا لفعله . وقوله - سبحانه - : * ( كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّه أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ) * بيان للآثار السيئة التي تترتب على القول الذي يخالفه الفعل . وقوله : * ( كَبُرَ ) * بمعنى عظم ، لأن الشيء الكبير ، لا يوصف بهذا الوصف ، إلا إذا كان فيه كثرة وشدة في نوعه . والمقت : البغض الشديد ، ومنه قوله - تعالى - ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّه كانَ فاحِشَةً ومَقْتاً وساءَ سَبِيلًا ، وهو منصوب على التمييز المحول عن الفاعل : للإشعار بأن قولهم هذا مقت خالص لا تشوبه شائبة من الرضا . أي : كبر وعظم المقت الناشئ عن قولكم قولا لا تطابقه أفعالكم . وقال - سبحانه - : * ( كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّه ) * للإشعار بشناعة هذا البغض من اللَّه تعالى - لهم ، بسبب مخالفة قولهم لفعلهم ، لأنه إذا كانت هذه الصفة عظيمة الشناعة عند اللَّه ، فعلى كل عاقل أن يجتنبها ، ويبتعد عنها . قال صاحب الكشاف ما ملخصه : ونداؤهم بالإيمان تهكم بهم وبإيمانهم وهذا من أفصح الكلام وأبلغه في معناه . وقصد في « كبر » التعجب من غير لفظه . . . ومعنى التعجب : تعظيم
--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 8 ص 132 .